شهر الجود

الجود والكرم من مكارم الأخلاق التي من تحلى بها أحبه الله وأحبه الناس، وهي دليل المروءة والرجولة والإنسانية الصادقة، كرم النفس بالمال والجاه، وبالعلم والوقت، وبالنفس والنفيس.
والجود عشر مراتب:
أحدها: الجود بالنفس، وهو أعلى مراتبه، كما قال الشاعر:
يجود بالنفس إذ ضن البخيل بها                        والجود بالنفس أقصى غاية الجود
الثانية: الجود بالرياسة، فيحمل الجواد جوده على امتهان رياسته، والجود بها، والإيثار في قضاء حاجات الملتمس.
الثالثة: الجود براحته ورفاهيته وإجمام نفسه؛ فيجود بها تعباً وكداً في مصلحة غيره.
الرابعة: الجود بالعلم وبذله، وهو من أعلى المراتب، وهو أفضل من الجود بالمال؛ لأن العلم أشرف من المال، و من جود العلم أن يبذل لمن يسأل عنه ويطرح عليه طرحاً، وأن يكون الجواب شافياً، وليس بقدر ما تدفع به الضرورة.
الخامسة: الجود بالنفع بالجاه، كالشفاعة والمشي مع الرجل إلى ذي سلطان ونحوه، وذلك زكاة الجاه المطالب بها العبد.
وإذا امرؤ أهدى إليك صنيعة            من جاهه فكأنها من ماله
السادسة: الجود بنفع البدن على اختلاف أنواعه، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس، يعدل بين الاثنين صدقة، ويعين الرجل على دابته فيحمل عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة ) متفق عليه.
السابعة: الجود بالعرض، كما روي بسند فيه مقال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أيعجز أحدكم أن يكون مثل أبي ضمضم؟ قالوا: ومن أبو ضمضم؟ قال: رجل فيمن كان من قبلكم قال: عرضي لمن شتمني ) وفي هذا الجود من سلامة الصدر وراحة القلب والتخلص من معاداة الخلق ما فيه.
الثامنة: الجود بالصبر والاحتمال والإغضاء، وهو أنفع لصاحبه من الجود بالمال ولا يقدر عليها إلا النفوس الكبار، فمن صعب عليه الجود بماله فعليه بهذا الجود، فإنه يجتني ثمرة عواقبه الحميدة في الدنيا قبل الآخرة، قال تعالى: (( وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ))[المائدة:45].
التاسعة: الجود بالخلق والبشر والبسطة، وهو الذي بلغ بصاحبه درجة الصائم القائم، وهو أثقل ما يوضع في الميزان، وفيه من المنافع والمسار وأنواع المصالح ما فيه، والعبد لا يمكنه أن يسع الناس بحاله ويمكنه أن يسعهم بخلقه واحتماله.
العاشرة: الجود بتركه ما في أيدي الناس، فلا يلتفت إليه ولا يستشرف له، وهذا الذي قال عبد الله بن المبارك : [ إنه أفضل من سخاء النفس بالبذل ].
ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله كريم يحب الكرماء، جواد يحب الجود، يحب معالي الأخلاق، ويكره سفسافها ) .
وعن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: ( يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ) .
وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة ).
وفي صحيح مسلم عن أنس قال: ( ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئاً إلا أعطاه، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم! أسلموا فإن محمداً يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة ).
قال أنس : [ إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يمسي حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها ].
وفيه أيضاً عن صفوان بن أمية قال: ( لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني، وإنه لمن أبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي ).
وفي مغازي الواقدي : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى صفوان يومئذ وادياً مملوءاً إبلاً ونعماً، فقال صفوان: أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبي ).
وفي الصحيحين، أن محمد بن جبير قال: ( أخبرني جبير بن مطعم أنه بينا هو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الناس مقبلاً من حنين علقت رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة، فخطفت رداءه، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أعطوني ردائي، فلو كان عدد هذه العضاه نعماً لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً ).
وخرج البخاري من حديث عن سهل رضي الله عنه: ( أن امرأة جاءت النبي صلى الله عليه وسلم ببردة منسوجة فيها حاشيتها، قال: أتدرون ما البردة؟ قالوا: الشملة. قال: نعم. قالت: نسجتها بيدي، فجئت لأكسوكها. فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليها، فخرج إلينا وإنها إزاره، فحسنها فلان فقال: اكسنيها، ما أحسنها. قال القوم: ما أحسنت، لبسها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليها، ثم سألته وعلمت أنه لا يرد، قال: إني والله ما سألته لألبسها، إنما سألته لتكون كفني. قال سهل : فكانت كفنه ) وعن ابن مسعود قال: ( دخل النبي صلى الله عليه وسلم على بلال وعنده صبرة من تمر، فقال: ما هذا يا بلال ؟ قال: أعد ذلك لأضيافك، قال: أما تخشى أن يكون لك دخان في نار جهنم؟ أنفق بلال! ولا تخش في ذي العرش إقلالاً ) .
كان جوده صلى الله عليه وسلم كله لله، وفي ابتغاء مرضاته، فإنه كان يبذل المال إما لفقير أو محتاج، أو ينفقه في سبيل الله، أو يتألف به على الإسلام، فيعطي عطاء يعجز عنه الملوك مثل كسرى وقيصر، ويعيش في نفسه عيش الفقراء، فيأتي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار، وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع، وكان قد أتاه سبي فشكت إليه فاطمة ما تلقى من خدمة البيت، وطلبت منه خادماً يكفيها مؤنة بيتها، فأمرها أن تستعين بالتسبيح والتكبير والتحميد عند نومها، وقال: ( لا أعطيك خادماً، وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع ). .
تعود بسط الكف حتى لو انه            ثناها لقبض لم تجبه أنامله
تراه إذا ما جئته متهللاً            كأنك تعطيه الذي أنت آمله
ولو لم يكن في كفه غير روحه                        لجاد بها فليتق الله سائله
هو البحر من أي النواحي أتيته                        فلجته المعروف والجود ساحله
وللجود في رمضان خاصة فوائد:
منها: شرف الزمان، ومضاعفة أجر العامل فيه.
ومنها: إعانة الصائمين والقائمين والذاكرين على طاعتهم.
عن زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من فطر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء ). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. .
ومنها: أن الجمع بين الصيام والصدقة من موجبات الجنة، كما في الترمذي من حديث علي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن في الجنة غرفاً ترى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها، فقام أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى لله بالليل والناس نيام ).
ومنها: أن الجمع بين الصيام والصدقة أبلغ في تكفير الخطايا واتقاء جهنم والمباعدة عنها، وخصوصاً إذا ضم إلى ذلك قيام الليل، فالصيام جنة، وفي حديث معاذ رضي الله عنه: ( ألا أدلك على أبواب الخير، الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل ) يعني: أنه يطفئ الخطيئة أيضاً، وقد صرح بذلك في رواية الإمام أحمد .
وفي الحديث الصحيح عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( اتقوا النار ولو بشق تمرة ).
ومنها: أن الصدقة تجبر ما في الصوم من خلل، فالصيام لا بد أن يقع فيه خلل أو نقص، و تكفير الصيام للذنوب مشروط بالتحفظ مما ينبغي التحفظ منه .
كان ابن عمر رضي الله عنهما يصوم ولا يفطر إلا مع المساكين، فإذا منعه أهله عنهم لم يتعش تلك الليلة، وكان إذا جاءه سائل وهو على طعامه أخذ نصيبه من الطعام، وقام فأعطاه للسائل فيرجع وقد أكل أهله ما بقي في الجفنة، فيصبح صائماً ولم يأكل شيئاً، وكان يتصدق بالسكر، ويقول: سمعت الله يقول: (( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ))[آل عمران:92] والله يعلم أني أحب السكر.
واشتهى بعض الصالحين من السلف طعاماً وكان صائماً؛ فوضع بين يديه عند فطوره، فسمع سائلاً يقول: من يقرض الغني الوفي؟ فقال: عبده المعدم من الحسنات، فقام وأخذ الصحفة فخرج بها إليه وبات طاوياً.
وجاء سائل إلى الإمام أحمد فدفع إليه رغيفين كان يعدهما لفطره ثم طوى وأصبح صائماً.
وكان الحسن يطعم إخوانه وهو صائم تطوعاً، ويجلس يروحهم وهم يأكلون.
وكان ابن المبارك يطعم إخوانه في السفر الألوان من الحلواء وغيرها وهو صائم.
قال الشافعي : [ أحب للرجل الزيادة بالجود في شهر رمضان، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم ].
وكذا قال القاضي أبو يعلى وغيره من أصحابنا أيضاً. .
وفي الأثر: ( أفضل الأعمال أن تدخل على أخيك المؤمن السرور، أو تقضي عنه ديناً، أو تطعمه خبزاً ) .
و جاء مرفوعاً وموقوفاً والموقوف أصح: ( أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه ديناً أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهراً ) الحديث .
وفي حديث أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( الساعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار ) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( بينما كلب يطيف بركية كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها فسقته، فغفر لها به ) صحيح البخاري.
أو ( غفر لامرأة مومسة مرت بكلب على رأس ركي يلهث، قال: كاد يقتله العطش، فنزعت خفها، فأوثقته بخمارها، فنزعت له من الماء، فغفر لها بذلك ) صحيح البخاري.
هذا في كلب، فما ظنك الصائم الطائع لربه، وما ظنك بعظيم المغفرة حتى لمومسة.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة، كان لها أجرها بما أنفقت ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئاً ).
وقال الشعبي : [ من لم ير نفسه إلى ثواب الصدقة أحوج من الفقير إلى صدقته، فقد أبطل صدقته وضرب بها وجهه ].
يموت المسلمون ولا نبالي            ونهرف بالمكارم والخصال
وننسى إخوة في الله ذرت            بهم كف الزمان على الرمال
تمزقهم نيوب الجوع حتى            يكاد الشيخ يعثر بالعيال
يشدون البطون على خواء            ويقتسمون أرغفة الخيال
وتضربهم رياح الموت هوجاً            وفي أحداقهم نزف الليالي
وناموا في العراء بلا غطاء            وساروا في العراء بلا نعال
كأن البيد تلفظهم فتجري            بهم بيد إلى بيد خوال
يسيل لعابهم لهفاً وتذوي            عيونهم على جمر السؤال
وليس جراحهم في الجسم لكن            جراح النفس أقتل للرجال
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: ( لما مات النبي صلى الله عليه وسلم جاء أبا بكر مال من قبل العلاء بن الحضرمي ، فقال أبو بكر : من كان له على النبي صلى الله عليه وسلم دين أو كانت له قبله عدة فليأتنا ) .
اللهم تقبل منا صومنا وقيامنا إنك أنت السميع العليم، اللهم اغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم اهدنا إلى سواء السبيل، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم احشرنا مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين، اللهم وفقنا لصيام رمضان وقيامه، اللهم ارزقنا فيه الخير.