الرئيسة المقالات1422 هـاليسرى تكفي لحمل الحجر!

اليسرى تكفي لحمل الحجر!

شادي شاب في السابعة عشرة من عمره، من شباب الانتفاضة الثانية، يرقد في مستشفى الشميسي بـالرياض التابع لوزارة الصحة.
أصابه طلق ناري في رقبته من الجهة اليمنى، وخرج من الجهة اليسرى، يكاد أن يكون مشلولاً شللاً تاماً، غير أن يده اليسرى تتحرك قليلاً.
والزوار محتشدون حوله، اتصلت به والدته من فلسطين لتطمئن عليه، فتكلم بصعوبة ليقول: شلل كامل، غير أن اليسرى تتحرك شيئاً ما.. زغردت الوالدة بنشوة صادقة لتقول: تكفي اليسرى لحمل الحجر، نحن لا نريدك لشيء آخر غير هذا!
إن من سوء حظ اليهود أن يساكنوا هؤلاء القوم الجبارين، الذين اشتكى أجدادهم من أجـدادهم، لقد قاتلوهم ثم قاتلوهم، ثم قالوا: لو لم يبـق إلا الحجر والتراب لواجهناكم به!
ولعلهم سلسلة في حلقة البعث الموعود من أولي البأس الشديد المسلطين على اليهود.
لقد تشبع الحجر برمزية تاريخية، وشرعية واقعية تدعو إلى التأمل!
فها هو القرآن يعيب على اليهود قسوة قلوبهم فيشبهها بالحجارة: (( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ))[البقرة:74].
وفي قلوب البشر ما هو أقسى من الحجر، وكيف لا وهم يطلقون الرصاص الحي على صبية صغار، أو نساء، أو شباب عزل، ويتقصدون الإصابة في الرأس، أو الصدر، أو العنق..
بلي الجديد ومسنا القرح             فمتى تفيق أخي.. متى تصحو
والوعتاه..كم انقضت حقب                        وامتد ليل ما له صبح
وبغى وحوش ليس يردعهم             خلق ولا دين ولا نصح
وإن كان في الحجارة شيء من نداوة، أو مسارب يتخللها الماء.. ليتفجر بعد أنهاراً أو عيوناً.. فهيهات أن يكون في قلوب هؤلاء القساة سبيل إلى شفقة، أو رحمة، أو ليان!
وحين احتدمت عداوة اليهود للرسول صلى الله عليه وسلم، وهموا بقتله، كانت أفضل وسيلة لديهم هي إلقاء الحجر عليه من عالي البناء، فنجاه الله، وباءوا بإثم الغدر والخيانة والفساد، وهاهم المسلمون ينتقمون لنبيهم بالآلة نفسها، لكن في وضح النهار، بعيداً عن الغدر والمكر والنكث.
ومما يستطرف أن أبرز حالة رجم في الإسلام كانت رجم اليهوديين الزانيين على ما هو موجود في الكتاب المقدس، فنفذ الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم حكم الله الذي أماتوه.
ثم انقطعت العلاقة المباشرة بين اليهود والحجر، لتبرز في المعركة الخاتمة، حين ينادى الشجر والحجر: يا مسلم! هذا يهودي تعال فاقتله.
وها هو الحجر يعلن حلفه مع المسلمين ضد قساة القلوب من اليهود، ليعيد إلى الأذهان تلك النبوة الصادقة والأكيدة.
ونحن أمام عدوان على المقدسات كعدوان أصحاب الفيل، عدوان يتترس بقوة متغطرسة ليس أمامها ما يكافؤها، ولهؤلاء، كما لأولئك أن يجعل كيدهم في تضليل، وطير أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل.
وعلى الإجمال فبراءة الاختراع لهذا السلاح الفعال هي مسجلة خصيصاً للمسلمين، وبالذات للفلسطينيين! إن النصوص التي بيننا تدل على أن حلم التوسع الجغرافي لليهود بعيد المنال ، فالمعركة معهم -وفق نصوص السنة- هي بـالشام، بـبيت المقدس، وأكناف بيت المقدس، وتحديداً ثمة معركة على نهر الأردن، أنتم شرقيه وهم غربيه، ولم يكن يدري الراوي، أين الأردن يومئذ! (( وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ))[الأحزاب:22].
فـالشام عقر دار الإسلام، و بيت المقدس -بإذن الله- باق للمسلمين، وإن كان لليهود فيه، أو في غيره جولة، فللمسلمين جولات ظافرة منصورة.
حتى الدجال الذي ينتظره اليهود يظهر على الأرض كلها إلا مكة و المدينة و بيت المقدس.
وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن خراب مكة، و المدينة، ولم يخبر عن خراب المقدس، حيث الحلقة الأخيرة من حلقات الصراع مع اليهود.
والمعركة إسلامية، وقودها الشباب المسلم الصابر، الذي ليس له انتماء إلا دينه وقرآنه، وشعارها الإسلام وليس غيره، فالحجر أعلن تحالفه مع المسلم، لإسلامه، لا لقوميته ولا جنسه، ولا عنصره. وها هم حاخامات اليهود يفاجئون العالم بتصريحاتهم العنصرية ضد الإسلام، فالحاخام يوسف زعيم حركة شاس، ثالث تجمع سياسي في إسرائيل، والمشاركة في غالب الحكومات يصف العرب والمسلمين بأنهم كالأفاعي.
والحاخام إبراهام شابير الذي كان الحاخام الأكبر في إسرائيل، يقول: نريد شباباً يهودياً يدرك أن رسالته الوحيدة هي تطهير الأرض من المسلمين.. يجب أن نتخلص منهم كما نتخلص من الجراثيم والميكروبات.
أما الحاخام الأكبر لإسرائيل سابقاً: مردخاي إلياهو، فإنه يقول مخاطباً مجموعة على وشك الالتحاق بالجيش الإسرائيلي: القرآن هو عدونا الأكبر والأوحد، هذا العدو لا تستطيع وسائلنا العسكرية مواجهته.. كيف يمكن تحقيق السلام في وقت يقدس العرب والمسلمون فيه كتاباً يتحدث عنا بكل هذه السلبية؟ على حكام العرب أن يختاروا: إما القرآن أو السلام!
أما إسحاق بيريس، فيقول في موعظة دينية: إذا استمر ارتفاع الأذان الذي يدعو المسلمين إلى الصلاة في كل يوم خمس مرات، في القاهرة وعمان والرباط، فلا تتحدثوا عن السلام. .
نعم، في اليهود أصوليون، ومتطرفون، وعلمانيون، كما في العرب وسائر الشعوب، ولكن الشأن الوحيد الذي يلتف حوله اليهود هو التوراة، والمعنى الديني والانتماء العرقي، كما أن النداء الوحيد الذي تتجاوب معه الرقعة العربية والإسلامية، هو نداء الإسلام والجهاد .
وهذه الانتفاضة خير مصداق، فـ الأيدي التي ترشق اليهود بالحجارة هي الأيدي المتوضئة .
والحناجر التي تهتف بالملايين من اليمن إلى المغرب، إلى مصر، إلى الأردن، إلى بلاد المهجر.. إنما تهتف لشعب يمثلها وينوب عنها، لتقول: إن القضية لا تموت، وإن ركام السنين المتطاولة ينقشع في لحظة، وهذا لا يعارض أن هذه الانتفاضة الشاملة وأصداءها هو تفريغ لاحتقان تعيشه الأمة بسبب أزماتها المتفاقمة.
فالشعب الفلسطيني مارس حقه، وعرف في هذا العمل طريقه، فلم يعد يستأجر لقضايا أجنبية عن وجدانه، ولا يعمل لحساب هذا أو ذاك، بل لحساب مستقبله وأمته ومقدساته، وهو بحاجة يقيناً إلى مزيد من هذه المعرفة التي تؤصل إسلامية المعركة، وتنفي أي خيار آخر.
والمسلمون في كل أرض يتلاحمون مع إخوانهم في الأرض المباركة؛ ليذوب الجليد بين المسلم وأخيه، ولتختفي المناكفات والمعاتبات والتقاطعات القديمة، والتي عمقتها حرب الخليج الثانية؛ ليلتف الجميع حول قضية واحدة، وفي مواجهة عدو مشترك، وهذا كسب لا يستهان به.
فلنبن عليه قراراً بالدعم المتواصل للانتفاضة، وإصراراً على استمرارها.
ولنبن عليه حسن استضافة للإخوة الفلسطينيين المقيمين في أي أرض إسلامية، بما في ذلك توفير فرص العمل والدراسة والعيش الكريم.
ولنبن عليه اهتماماً بالفلسطينيين في جميع البلاد العربية والإسلامية، وخصوصاً التجمعات والمخيمات في الأردن، و سوريا، و لبنان، و الضفة، تربيةً وتعليماً، وإعداداً ودعوةً.
ولنبن عليه دعم الفلسطينيين داخل إسرائيل، والتواصل معهم، فهي ورقة مهمة يمكن أن تؤدي دوراً لا يستهان به.
بل وأكثر من ذلك يمكن العمل على استثمار التناقضات القائمة في المجتمع اليهودي، كما يستغلون هم التناقضات القائمة بيننا، ولقد ذكر الله تعالى أن قلوبهم شتى، (( بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ))[الحشر:14].
وهذا يقودنا إلى شأن آخر حول وسائل مواجهة المكر اليهودي، ودعم الانتفاضة الفلسطينية.