الرئيسة المقالات1429 هـالله الوهاب [2-2]

الله الوهاب [2-2]

ولما جاءته صلى الله عليه وسلم الدنيا وفتحت عليه بأموالها، وإبلها، وغنمها، وذهبها وفضتها.. وزعها على الناس، وقسمها عليهم، حتى كان صلى الله عليه وسلم يصلي ثم ينفتل مسرعاً، ويقول: ذكرت شيئاً من تبر -وهو الذهب الذي لم يضرب- كان عندنا فأمرت بقسمته، كما في الحديث الصحيح عن عقبة رضي الله عنه قال: ( صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم بـالمدينة العصر، فسلم، ثم قام مسرعاً، فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم عجبوا من سرعته، فقال: ذكرت شيئًا من تبر عندنا، فكرهت أن يحبسني، فأمرت بقسمته ). فلم يكن صلى الله عليه وسلم يمسك شيئًا من هذه الدنيا أو يتعلق به، بل كان يحب أن ينفق ذلك في سبيل الله عز وجل، حتى إنه قال: ( ما أحب أن لي مثل أحد ذهباً أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير ). وسأله الأعراب وهو راجع من حنين ، حتى اضطروه إلى سمرة -وهي شجرة طويلة- فخطفت رداءه، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ( أعطوني ردائي، فلو كان عدد هذه العضاه نعماً لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلاً، ولا كذوباً، ولا جباناً ). فكان هذا من شكر نعمة ربه تبارك وتعالى.
أفادتكم النعماء مني ثلاثة             يدي ولساني والضمير المحجبا
فكان يحمد ربه عز وجل بقلبه، حمد الشاكر المعترف بالنعمة، وأن الله سبحانه وتعالى خالقها ورازقها وموليها ومسديها، وهي منه وإليه سبحانه وتعالى.
وفي هديه صلى الله عليه وسلم وسيرته من ألوان التبتل إلى الله عز وجل والثناء عليه الشيء الكثير، فكان يقول: ( اللهم لك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت الحق ووعدك حق، وقولك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، والنبيون حق، ومحمد حق، اللهم لك أسلمت، وعليك توكلت، وبك آمنت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله غيرك ). ويقول: ( اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك ). ألوان من التبتلات والابتهالات للرب العظيم الخلاق الرزاق، ورثها عنه أصحابه والمؤمنون من بعده.
ثم الجوارح والأعضاء توظف في استخدام هذه النعم في طاعة الله تبارك وتعالى؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام كانت حياته كلها لله عز وجل، كما أمره ربه: (( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ))[الأنعام:162-163].
فكان عليه الصلاة والسلام في قيامه وقعوده، ويقظته ومنامه، وحركته وسكنته، وإقامته وسفره، وغناه وفقره، وتقلب أحواله، كان مثال العبد المؤمن الشاكر لله عز وجل، وهذا من معاني قوله سبحانه وتعالى: (( أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ))[الضحى:6-8].
ثم بين سبحانه وتعالى الحق المترتب على هذه النعم، فقال: (( فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ))[الضحى:9] أي: كما كنت يتيماً؛ فهكذا ارحم الأيتام، واعطف عليهم، وامسح على رءوسهم، وتلطف معهم، وكن خلفاً للأيتام بعدما فقدوا آباءهم.. وتذكر أنك كنت يتيماً فآواك الله عز وجل؛ فآو عباد الله من اليتامى.
(( وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ))[الضحى:10] فإذا جاءك فقير أو سائل وعليه علامات الذل والفقر والمسكنة والحاجة فلا تنهره، ولا تتكبر عليه.. فإن وجدت شيئاً فأعطه، وإلا فاصرفه بهدوء وسلام .
وهكذا إن جاءك سائل يستفتي، أو يسأل عن حكم الله عز وجل، أو عن شيء أشكل عليه؛ فلا تنهره ولا تقهره، ولا تغضب عليه ولا تزجره، وإنما علمه، كما علمك الله سبحانه وتعالى.
ثم قال: (( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ))[الضحى:11] أي: حدث بهذه النعم العظيمة التي أكرمك بها ربك تبارك وتعالى ، وتحدث عنها ليس على سبيل التعاظم بهذه النعم؛ لأنها ليست منك، وإنما هي محض فضل من ربك عز وجل، وإلا فإن العبد لا يستحق على ربه شيئاً أصلاً.
ما للعباد عليه حق واجب             كلا ولا سعي لديه ضائع
إن عذبوا فبعدله أو نعموا             فبفضله وهو الكريم الواسع!
فالله تبارك وتعالى قد أعطاك وأكثر، وهو الغني؛ يرضى عنك أن تأكل الأكلة فتحمده عليها، أو تشرب الشربة فتحمده عليها.
فحدث بنعمة الله سبحانه وتعالى، واشكر ربك كلما عايشت نعمة من نعمه، أو وجدت فضلاً من فضله، وما أنت إلا بعض نعمه وفضله: (( وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ))[النحل:53].
تأمل صنيعك في نعم الله عز وجل، ومدى شكرك لهذه النعم، وصرفك لها في طاعة الله تبارك وتعالى، واعلم أن لله سبحانه وتعالى حقاً في كل نعمة أعطاك : فللفقير حق في مالك، وللضعيف حق في بدنك، وللعاجز حق في قدرتك، وللجاهل حق في علمك، ولكل أحد من الناس حق فيما تستطيع ولا يستطيعون.
فاحمد الله سبحانه وتعالى الذي أقدرك على ما هم عنه عاجزون، واعتبر أن من شكر هذه النعمة أن تجعل لهؤلاء فيها حظاً ونصيباً، وأن تعلم أن هذه النعمة إما أن ترحل عنك يوماً من الأيام، أو أن ترحل أنت عنها، فليكن حسن ضيافتك لها أن تشكر الله سبحانه وتعالى عليها حق الشكر، وأن توظفها في طاعته، وألا تقول كما قال قارون حينما قال له عقلاء قومه: (( إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ))[القصص:76]، فرد عليهم: (( إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ))[القصص:78]، فقال الله تعالى: (( أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ))[القصص:78].
إن العبد يتقلب في نِعَمٍ لعله لا يلتفت إليها إلا إذا فقدها أو شارف على فقدها ، وكم من الأجهزة والأعضاء والقدرات والمواهب في المخ والقلب والجسد، في الظاهر والباطن، في الروح والمادة، في النفس والمال والأهل والولد.
ثم كم من النعم من حولك: الأسرة، والقرابة، والأصدقاء، والأعمال، والجاه، والعلاقات، والآمال والأحلام، بل وهذا الكون العريض المهيأ للحياة بكل ما تحتاجه، فنجد كواكب ضخمة هائلة بحجم الأرض مرات، ولكنها قفر يابس مظلم لا حياة فيها ولا أنيس، لأنها لا تصلح للحياة ولا يعيش عليها الناس.
وها هو الإنسان وصل إلى سطح القمر، وصارت صور رواد الفضاء توزع في الوكالات، وتعرض في القنوات، ثم صد الناس عنها وصارت الصورة كأنها تنتمي إلى عصر سابق بائد لا تثير فضولاً ولا تحرك ساكناً.
فالحمد لك يا خير من ملك، بعدد آلائك ومواهبك وعطاياك، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، يوافي نعمك، ويكافئ مزيدك، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.