الرئيسة المقالات1429 هـالله الواحد الأحد [2-2]

الله الواحد الأحد [2-2]

(( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ))[الإخلاص:1] في هذه الآية إشراقات:
أولاً: فيها إشارة إلى أن العقيدة من عند الله سبحانه وتعالى؛ فهو الذي يلقنها لنبيه صلى الله عليه وسلم، ولمن وراءه من الناس، فلا يستطيع العقل والفكر أن يدركها، مع أنه قد يستطيع أن يفهم معاني ما يتعلق بالله عز وجل؛ لكنه لا يستطيع أن يستقل ابتداءً بتقرير هذه المعاني وإدراكها والوصول إليها، كما قال الله عز وجل: (( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ))[الشورى:52].
بينما يشط الجدل العقلي الفلسفي بالإنسان بعيداً في مجادلات ومتاهات، لا تأتي بطائل، وقد علم الله أنه سيكون في الفلاسفة والمنظرين من تشطح به الفكرة ويغلو في الفناء حتى يتماهى عنده المخلوق بالخالق، ومن هنا جاء نداء الله تعالى: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ))[فاطر:15] .
وقد أوضح الله صفاته بما لا لبس فيه، ومن ذلك قوله تعالى: (( ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ))[الأعراف:54]؛ لئلا تذهب الأوهال والأوهام والخواطر إلى شيء من المغالطة أو اللبس، كما وقع لأصحاب الحلول والاتحاد، فسبحان الله اللطيف الخبير وتعالى.
ثانياً: فيها إشارة إلى تشبع النبي صلى الله عليه وسلم بهذه المعاني، وإن كانت في الأصل وحياً من عند الله عز وجل ابتداءً؛ إلا أن قلب النبي صلى الله عليه وسلم تشربها وآمن بها، فحينما يقولها النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يقولها وقد امتلأ بها فؤاده، وفاضت بها نفسه، ثم تكلم بها لسانه صلى الله عليه وسلم وتواطأ ظاهره وباطنه.
ثالثًا: إشارة إلى تزكية النبي صلى الله عليه وسلم، وإيمانه بهذه المعاني، كما أخبر عنه ربه عز وجل.
رابعًا: أن قوله تعالى: (أحد) بمعنى: (واحد) إشارة إلى وحدانية الله تبارك وتعالى، وقد ورد هذا في القرآن في أكثر من ستين موضعاً، وقوله: (أحد) أبلغ من (واحد)، وإن كانت بمعناها، فالله تعالى أحد في ربوبيته، له الخلق، وله الرزق، وله الحياة، وله الموت.
(الواحد) لا ثاني له، فهو في الأعداد، و(الأحد) لا شبيه له، فهو في الصفات والأفعال.
فليس هناك من يشارك الله عز وجل في مثل هذه الأمور، وإنما قد يقع لبعض البشر الذين تغيب عنهم أنوار الرسالة، أن يشعروا بالخوف من الصواعق، أو من الرياح أو الأعاصير أو البحار، أو غيرها؛ فينسبوها لبعض الآلهة المتخيلة عندهم، وإلا فإنه لم يدع أحد قط أن له شركة مع الله سبحانه وتعالى في خلق الكون وإبداعه، وابتكاره على غير مثال، فهو الواحد في ربوبيته، وملكه، وتدبيره.
وهو الواحد في ألوهيته، المستحق للعبادة وحده جل وعز، فلا يعبد بحق إلا الله سبحانه وتعالى، الذي تصرف له مشاعر القلب، وحاجات النفس، وحركة العقل والجوارح! وهو الواحد في أسمائه وصفاته؛ له من الأسماء ما لا يتسمى به الخلق؛ كالله والرحمن.
وله الأسماء التي قد يتسمى بها الخلق، لكن لا يشابهونه فيها، كما قال عن نفسه: (( لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ))[الإخلاص:3-4].
فلا أحد من الخلق يقاس بربه عز وجل، ولا يقاس الله تعالى بأحد من خلقه، فلا شبيه له ولا نظير، ولا ند ولا كفؤ، ولا مثيل ولا سمي ، كما قال سبحانه وتعالى: (( هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ))[مريم:65]، فله من الأسماء الحسنى والصفات العليا ومن الكمال والجمال، والعظمة والمجد والكبرياء؛ ما لا يشبهه فيه أحد من خلقه.
إن الإنسان ينظر إلى الكون، وبعض ما خلق الله فيه؛ فيتحير، ويعجز أمامه، فكيف بعظمة من هذا خلقه.
تأمل في خلال الأرض وانظر             إلى آثار ما صنع المليك
عيون من لجين شاخصات             بأحداق هي الذهب السبيك
على قضب الزبرجد شاهدات             بأن الله ليس له شريك
ثم قال سبحانه وتعالى: (( لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ))[الإخلاص:3-4].
إن الله سبحانه وتعالى حينما يصف نفسه في القرآن، أو يصفه رسوله صلى الله عليه وسلم في السنة، فذلك يكون على سبيل الإثبات المفصل والنفي المجمل ، فإذا كان المقام مقام إثبات الكمال لله عز وجل من الأسماء والصفات والأفعال الجميلة العظيمة؛ فإن ذلك يكون بتفصيل وتطويل، وليس باقتضاب ولا إجمال، بينما إذا كان المقام مقام نفي النقائص والعيوب فإنه يختصر، وهذا أمر معروف مألوف؛ لأنه من مقتضى الإيمان بالله عز وجل والتأدب معه.
ولو أنك مدحت إنساناً بأنه ليس بخيلاً ولا أحمق ولا فاجراً؛ لربما قال الناس: ما هذا المديح الذي هو أشبه بالذم منه بالثناء؟ والقاعدة العامة الغالبة: أن القرآن والسنة يكون فيهما إثبات مفصل لصفات الجمال والجلال والكمال لله عز وجل، ويكون فيهما نفي مجمل، أما النفي المفصل فإنه يكون لسبب؛ فينفي الله سبحانه وتعالى عن نفسه ما قد يصفه به بعض خلقه، كما تجد في بيئات لم تتنور بأنوار الرسالة، ولم يكن فيها علم ولا هدى ولا كتاب منير، ربما يؤمنون بربهم ويوحدونه أيضاً؛ لكنهم ينسبون إليه ألواناً من النقص.
كما كان اليهود يدعون أن الله سبحانه وتعالى أدركه التعب والإعياء من خلق السموات والأرض، فاستراح يوم السبت، ولهذا قال الله عز وجل راداً عليهم: (( وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ ))[ق:38]، فنفى ما كان يزعمه اليهود في حقه سبحانه وتعالى.
وهكذا عندما قالوا: (( عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ))[التوبة:30]، والنصارى عندما قالت: (( الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ))[التوبة:30]، فنفى ذلك عن نفسه: (( مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ ))[المؤمنون:91]، (( لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ))[الإخلاص:3]، فيكون النفي هنا لبعض النقائص والعيوب التي ينسبها بعض الخلق إلى الله تبارك وتعالى، أو يكون ذلك بسبب سؤال معين من جاهل يستفهم، وليس عنده في ذلك إدراك.
إن هذه السورة القصيرة الوجيزة التي هي بضع آيات، وهي من أقصر سور القرآن الكريم، ومع ذلك هي من أعظمها دلالة ومعنى؛ لأنها تمحضت في تقرير العقيدة، والتعريف بالله عز وجل، ولذلك كانت تعدل ثلث القرآن.
وحري بالمؤمن أن يقرأها، ويتأمل معانيها، ويقف عندها؛ إجلالاً لعظمة الله عز وجل وكبريائه ومجده.