الرئيسة المقالات1429 هـالله الفتَّاح [2-2]

الله الفتَّاح [2-2]

رابعاً: (الفتاح) الذي يفتح لعباده في شئون دنياهم ما يصلح به عيشهم؛ وتستقيم حياتهم، فليست المعرفة حجراً محجوراً، ولا حرزاً مخبأ عن العباد، وإنما الله يحفز عباده إلى الإبداع والكشف والاطلاع والعلم، ويثيبهم على ذلك ، ويقرر في كتابه قانون التسخير: (( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ))[الجاثية:13].
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج من المسجد قال: ( اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك ). إشارة إلى أنه قد خرج من المسجد الذي هو مكان العبادة إلى السوق، أو المنزل، أو طلب الرزق وطلب فضل الله؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ))[الجمعة:9]، ثم قال في الآية التي بعدها: (( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ))[الجمعة:10].
وقال في شأن الحج: (( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ ))[البقرة:198]، فأشار إلى الفرق بين طلب الفضل وطلب الرحمة، فالفضل المقصود به -والله تعالى أعلم- في هذه المواضع ما يتعلق بمصالح الحياة الدنيا؛ ولهذا ناسب أن يقول عند خروجه من المسجد: افتح لي أبواب فضلك، وبذا تبدو الحياة مزرعة للآخرة، وليست نقيضاً لها، وليس الفرق هو بين من يريد الدنيا فحسب، أو يريد الآخرة فحسب، وإنما الفرق هو بين من يريد الدنيا فحسب، أو يريد الدنيا والآخرة معاً، فيصيب الحسنيين.
خامسًا: من معاني (الفتاح): أن يفتح الله تعالى على عباده اكتشاف قوانين المادة، وما يسهل تسخيرها، وألوان التقدم المادي، والتقنية الحديثة التي ينتفع بها العباد .
هذه بعض من آثار هذا الاسم العظيم، و لو أن البشر ارتبطوا بمعنى الألوهية والربوبية، وباسم الله العظيم الذي ينطلق العلم منه، كما قال سبحانه: (( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ))[العلق:1-2]؛ لكان هذا العلم مولوداً صالحاً للرسالات السماوية، ولكان خادماً أميناً للأغراض البشرية والمصالح الإنسانية، بعيداً عن كل ما يضر بالإنسان ، وإلا فما الحاجة إلى أن يكتشف العلم القنابل النووية أو الأسلحة الخطيرة التي إذا استخدمت قتلت عشرات الآلاف، وأفسدت الحرث والنسل؟!
ما الفائدة في أن يكتشف الإنسان بعض الأشياء، ثم يعبث بها عبثاً يضر بالحياة البشرية، أو يدمر الإنسانية، أو يضر بأجيال وأمم أخرى ليست ممن اكتشفوا هذا العلم ولا ممن ساهموا في تدبيره؟!
سادسًا: من معاني (الفتاح): أنه يفتح الممالك والأمصار لعباده الصالحين المؤمنين ، كما قال سبحانه: (( إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ))[الأعراف:128]، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ))[الفتح:1]، وقال سبحانه: (( وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ))[الصف:13]، فوعد الله تعالى المؤمنين بالفتح والنصر، وبشرهم بذلك، والله تعالى لا يخلف الميعاد.
وهكذا، فإننا نجد أن دعوة الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم امتدت خلال ربع قرن شرقاً وغرباً في أنحاء الأرض كلها، حتى دان كثير من أهل بقاع المعمورة لهذا الدين، ودخل الناس في دين الله عز وجل أفواجاً، وكان الفتح الإسلامي يفتح القلوب قبل أن يفتح البلاد؛ فدخل في الإسلام العجم والبربر والفرس وغيرهم، وتكونت من هذه الأمم الأمة الإسلامية التي وحد الله تبارك وتعالى قلوب أتباعها على الإيمان، وألف بين قلوبهم: (( لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ))[الأنفال:63].
إنه لم يكن فتحاً عسكرياً ولا توسعاً إمبراطورياً، بل كان نشراً للعدالة وانتصاراً للفضيلة والحرية، وقضاءً على الظلم والقهر والاستبداد في عالم لم تكن تحكمه قوانين عادلة، ولا أنظمة راقية، فالفتح اسم على مسمى، فهو يعني: فتح القلوب الموصدة، والعقول الآسنة، والبيئات المريضة، وإعادة تأهيل الإنسان ليؤمن بدين رب العالمين.
وما فتئ الزمان يدور حتى             مضى بالمجد قوم آخرونا
وأصبح لا يُرى في الرَّكْبِ قومي             وقد كانوا أئمته سنينا
وآلمني وآلم كل حر            سؤال الدهر أين المسلمونا
هذه من معاني اسم الله الفتاح، وهذا جزء من موعود الله عز وجل: (( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ))[التوبة:33]، (( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ))[النور:55].
فتحقق وعد الله عز وجل لهذه الأمة، ومع ذلك فإن المؤمن يطمع في المستقبل من فضل الله تعالى وعطائه ورحمته وكرمه، يرجو أن تؤمن كثير من شعوب العالم، وأن يوجد من يحمل هذا الدين، ويدافع عنه، ويدعو إليه، ولا ييأس أن يفتح الله تعالى لهذه الأمة، وهو خير الفاتحين.
لعل توظيف الإعلام الحر والفضاء الإلكتروني والتواصل الإنساني لإشاعة القيم الإسلامية، ونشر النموذج الصادق بالحجة اللسانية البينة، وبالقدوة الإنسانية الصادقة، هو جزء من مفهوم الفتح الذي يظن الكثير من الناس أنه يعني النصر العسكري فحسب، وما النصر العسكري إلا وسيلة وأداة من أدواته التي تتغير حسب ظروف الزمان والمكان.
سابعاً: الفتاح الذي يفتح ويحكم بين عباده بالحق في الآخرة؛ فـ مهما طال الليل، وادلهم الخطب، فإن الله يفتح بين عباده، ويحكم بينهم، كما قال الله عز وجل حكاية عن نبيه شعيب عليه السلام: (( رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ))[الأعراف:89] ، وهو الفتاح الذي ينتصر للمظلوم من الظالم مهما طال ليل الظلم وادلهم.
يا صاحب الهم إن الهم منفرج            أبشر بخير فإن الفارج الله
اليأس يقطع أحياناً بصاحبه             لا تيأسن فإن الكافي الله
الله حسبك مما عذت منه به             وأين أمنع ممن حسبه الله
يا نفس صبراً على ما قدر الله            وسلمي تسلمي فالحاكم الله
يا رب مستصعب قد سهل الله            ورب شر كثير قد وقى الله
إذا بليت فثق بالله وارض به             إن الذي يكشف البلوى هو الله
فيا فتاح افتح لعبادك مغاليق الأسباب والأبواب، واكشف كروبهم ونور دروبهم، واغفر ذنوبهم، وافتح لهم أبواب فضلك ورحمتك وعطائك وأنت خير الفاتحين.