الرئيسة المقالات1427 هـالفكر المأزوم

الفكر المأزوم

ليس بإمكان المرء أن يعتزل المشاكل العامة والخاصة، بالذات حين يعيش في العالم الإسلامي فـ: 28 من 30 صراعاً في الكرة الأرضية هي في العالم الإسلامي ، وحين نتحدث عن العالم الإسلامي فلسنا نتجاهل أزمات العالم كله، ولكن الفرق الرئيس العجيب أن أزماتهم ناتجة عن فائض القوة والتقنية، وأزماتنا ناتجة عن فائض العجز والتخلف!.
هذا واقع مر مأزوم؛ بيد أنه من الخطأ أن نتحول إلى أناس مأزومين نفسياً وعقلياً؛ فتؤثر الأزمة في تفكيرنا.. في حياتنا العامة، وعلاقاتنا مع الآخرين، وحياتنا الزوجية الخاصة وفي طريقة تناولنا للأشياء.
إن الاستغراق في المشكلات والأزمات وإخراجها من سياقها، ونسيان تيار الحياة اللجب المتدفق بانسياب وإيجابية، واختصار الأمة في أزمة، يحولها إلى أزمة شعورية وداخلية ونفسية ، وينسيك هذا كله أن الحياة مكتظة بالفرص والإيجابيات، وأن الحكمة والذكاء تحويل الأزمة إلى فرصة.
إن التعامل السلبي مع أي أزمة هو تجاهل للواقع العام، واحتكار له في أحداث أو جوانب معينة.. وكل ذلك أو بعضه يكفي بجدارة لصناعة عقلية مأزومة، وفكر مشوه مريض.
وهناك فرق بين من يذكر أي مشكلة أو أزمة في سياقها، وبين من تسيطر عليه وتصنعه، ويلح عليها إلحاحاً كبيراً، وقد تصنع عنده موقفاً فكرياً وعاطفياً ونفسياً وتصنع شخصيته، وينجم عن ذلك تضخيم للمشكلة، وتأزيم للفكر، وكأنها نهاية التاريخ وهرمجدون آخر الزمان ومؤذن المهدية.
إن عنصر الزمن يعطي المشكلة حجمها الحقيقي، ويكشف الفرق بين تخيلنا وبين واقع الحال؛ ولهذا يقول بعض العلماء: إن الفتن إذا أقبلت عرفها العلماء، وإذا أدبرت عرفها كل الناس.
والغالب في الأزمات أن نتائجها وآثارها السلبية أقل مما نظن، وأن التحليلات الإعلامية تعطي بعداً إضافياً للأزمة، وأن الخيال يجنح ويجمح في تطوراته المستقبلية، وقد قال أبو الطيب:
كل ما لم يكن من الصعب في الأنـ             فس سهل فيها إذا هو كانا
وقال آخر:
وكل الحادثات وإن تناهت             فموصول بها فرج قريب
إن المعاناة في فلسطين أو العراق -مثلاً- هي مجرد انفجار موضعي للأزمة، لا يجوز أن ينسينا الأزمة القابعة في عقل ونفس كل فرد فينا..
دعونا نعترف بمشاكل تفكيرنا وأزماتنا الشرقية؛ من التخلف والضعف والمهانة:
أزماتنا في الشرق تخطف حولنا            كتل تبدت حولها أشلاء
فتطرف وتخلف وتعصب             وهشاشة وتعاسة وخواء
بؤساء لا يبغون عن عاداتهم             حولاً وما لفهومهم أخطاء
رزئوا بتقديس الذوات كأنهم            رسل يعزز قولهم إيحاء
دعونا نعترف بأننا نمارس تسلطاً واستبداداً في الرأي بحسب وسعنا وطاقتنا.. آخذين بقول العربي عمر بن أبي ربيعة: إنما العاجز من لا يستبد.
ونمارس ترفعاً على النقد والمراجعة والتصحيح والاعتراف بالخطأ، وإعجاباً بالرأي، وأحادية في الفكر، ومصادرة لآراء الآخرين، وانشقاقاً ذاتياً؛ أصبح معه شبه مستحيل أن نتعايش أو نتفاهم أو نتفق على عمل مشترك أو برنامج مشترك؛ حتى عجزنا عن رد الظواهر لأسبابها، والمشاكل لعللها في كسل عن التفكير المنطقي الطبيعي، وتباطؤ عن العمل البحثي أو العلمي أو الدعوي أو الفكري النافع.
وأصبحنا لا نرى الألوان الرمادية فإما معنا أو ضدنا؛ أبيض أو أسود، لا نرى مناطق الوسط والحلول الوسطية، إما حكم بالبراءة أو الإعدام، ومجتمع الملائكة أو الشياطين، قعر الجحيم، أو قمة الفردوس.
فإما حياة تبعث الميت في البلى            وتنبت في تلك الرموس رفاتي
وإما ممات لا قيامة بعده             ممات لعمري لم يقس بممات
بيد أن منهج الشريعة في البحث والتقصي يعتمد على الفرز والتفصيل والتحرير، وعدم الجزاف .
والفكر المأزوم مشوش بفعل التعصب مما يعني صعوبة الإصلاح؛ بسبب تترس أخطائنا بالدين، واختلاط الأمر لدينا بين الثبات على الحق، وبين الجمود على الرأي المجرد، ومن مظاهر هذا الفكر تدافع وتبادل التهم، وانتقائية أو جزئية في الطرح والتقييم والتفكير، وقطعية في غير موضعها.
وفي هذا العالم الإسلامي الكبير أزمة واحدة أحياناً كافية لبث الانشقاق والاحتقان للتراشق، والانشغال بالغير؛ مما يبرز سوءات النفس البشرية من التعصب والهوى، والتوسع في التأويل للكذب والعدوان، والبغي والقتل بأوهى الحجج وأضعف التأويلات، والسعي الجاد في إسقاط الآخرين، وكأنهم هم العائق في وجه النجاح!
ومأزوم الفكر يغيب عنه في لحظة الحدث -بل في حياته العامة- التفكير المنطقي السليم
، ويتهرب من الاعتراف بقانون السببية يفعل ذلك لردم أخطائه ومشاكله ومظاهر الخلل والتخبط والظلم في منطقه وتفكيره، هذا من الناحية العلمية والفكرية.
وتغلب الأثرة والإطاحة بالمخالف والتشنيع عليه، والكيل بالمكيالين في الناحية التربوية السلوكية، وتحيله المشاكل إلى عامل من عوامل ضياع ثروات الأمة البشرية والمادية والاقتصادية، والإخفاق في إدارة الأزمات الشخصية فضلاً عن المجتمعية من الناحية الإدارية، وهي تجعل الفرد فاشلاً على مستواه الشخصي والعملي والوظيفي وربما تجده مع هذا كله متحدثاً جيداً عن مشكلات العالم الإسلامي، وربما العالم كله من غير أن يطرف له جفن أو تهدأ له عين.
وبعد:
فإن هذه الأزمات كلها شيء، وأن تكون في الفكر المأزوم قناعة الرضا بالذات، واعتقاد عدم وجود الخطأ أزمة أخرى؛ لأن معنى هذا الأخير هو عدم وجود القابلية للتصحيح والمراجعة، ومعناه باختصار فقدان الخطوة الأولى في طريق التصحيح، وهو الجهل المركب كما يسميه فقهاؤنا: الذي لا يعرف ولا يعلم أنه لا يعرف؛ فحين لا يحس المرء بمشكلة في تفكيره وحين يشعر بالرضا عن الذات، والكمال المطلق فهذه أم المشاكل:
يقضى على المرء في أيام أزمته             حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن
إن طلب الهداية من الله في سورة الفاتحة في كل صلاة تشير إلى ضعف الإنسان المستمر، وحاجته للتصحيح في كل وقت، ونزع خصلة الرضا المطلق السلبي عن الذات ؛ لأن معنى هذا الشعور هو التوقف والجمود، نعوذ بالله من ذلك..
(( بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ))[الفاتحة:6-7].