العوائق

ذلك القاعد الكسول يتحجج بأن الطرق مغلقة، والأسباب معطلة، وأن كل محاولاته باءت بالفشل؛ فلا أمل.
لا تفتأ تسمعه يقول:
كل حل ينتج ألف مشكلة..
الأمور ستتجه من سيئ إلى أسوأ..
الخطوات الجديدة تولد أخطاء جديدة..!
حتى عندما يبتسم فشعاره: ابتسم الآن... فغداً سوف يكون أسوأ...
في الدراسة كان الأستاذ يتحداه من بين الطلبة، ويبخسه حقه، ويكثر من تقريعه وتوبيخه، حتى تحطم فعلاً وترك الدراسة، أو تباطأ فيها، واستغرق ضعف المدة التي استغرقها زملاؤه.
وفي الوظيفة كان يجد الصدود، وعلى رغم توفر الوظائف، وجدارته المشهودة، إلا أن السبل كلها كانت مسدودة، أليست مائة محاولة كافية لتثبت أنه محدود غير مجدود؟!
فإذا سمعت بأن مجدوداً حوى             عوداً فأثمر في يديه فصدق
وإذا سمعت بأن محروماً أتى             ماءً ليشربه فغاص فحقق!
والعرب تقول: المجدود هو صاحب الجد، وهو الحظ والتوفيق، والمحدود هو نقيضه ممن لا يحالفه التوفيق ولا يسعفه الحظ، و من تعبيرات الفقهاء: المحارف، وهو الذي كلما بدأ عملاً فشل فيه، ولم ينتفع من ورائه..
أما زواجه فهو أوضح من الشمس، حيث فشلت زيجاته الثلاث، وبطريقة مثيرة للاستغراب!
ولا غرو حينئذ أن تكون محاولاته الاستثمارية، تذهب أدراج الرياح، مخلفة ذمة مثقلة بالديون.
العوائق ينبغي مواجهتها.. سواء كانت من خارج ذواتنا، وتمثلت في إنسان يتقصد حرمانك، أو يلاحقك بالتهمة، أو يرميك بالفشل، أو خسارة في المال، أو في وضع أسري مفكك، أو كانت هذه العوائق من داخلنا؛ كالخوف وضعف الثقة بالنفس، أو إهدار للوقت أو رفض التغيير، أو كانت نزعة للمثالية، أو عقبة عادية تواجهك كما تواجه الآخرين؛ لكنهم يتجاوزونها بصبرهم ويجهزون عليها بإصرارهم، وتقف أنت أمامها عاجزاً بضعف إرادتك، وقعود همتك، وسرعة تعليبك المواقف للأسوأ، ومن ثم تصديرها لجهة غير مشروعة داخل نفسك وسرعان ما تعيد تصنيعها إلى منتج جديد بشكل آخر..
العوائق والعقبات شيء من طبائع هذه الحياة التي نعيشها.
طبعت على كدر وأنت تريدها             صفواً من الأقذاء والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها             متطـلب في الماء جذوة نار
وإذا وصلت إلى مكان أو وقت أو عمل أو إنجاز لم تواجه فيه عائقاً أو مشكلة؛ فقد وصلت إلى طريق مسدود نتيجته الاسترخاء والدعة، إذ ليس ثمة ما يحفزك نحو الأفضل.
وربما كانت تلك العوائق وهماً نصنعه في عقولنا؛ إثر طوفان هادر من: (ماذا لو؟) أقل مخلفاته قلق داخلي، وفوضى نكدة؛ تصيب صاحبها بالجمود والشلل ، وربما عند التحقيق لا تصفو على شيء، إلا ما رأيناه لأنفسنا، وأقنعنا به ذواتنا، وتعاطينا معه بشكل سلبي...
وما الخوف إلا ما تخوفه الفتى                        ولا الأمن إلا ما رآه الفتى أمنا
أليس من العجيب أن حشرة كالنملة؛ إذا وضعت أصبعك أمامها وهي تسير؛ وجدتها لم تقف ولم تتجمد، ولم تبرر عجزها وتلقيه على صغر جرمها؛ بل تذهب يميناً أو شمالاً أو تلتف أو تغير اتجاهها... ولسان حالها يقول:
ومغالب العقبات حتماً غالب             إلا إذا اطرح الثبات وأقصرا

فما بال أحدنا يضرب رأسه في العائق الذي أمامه ألف مرة، ولا يفكر ولو مرة واحدة في تغيير طريقته؛ ما دامت الإمكانات تسمح والهدف قابلاً.
هذه العوائق هي منحة؛ لأنها التحدي الذي يثير كوامننا، ويحرك طاقاتنا وقوانا الداخلية للمواجهة والتحفز ، حتى نتغلب عليها (( وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ))[يوسف:87] مع مراعاة أن عامل الزمن هو في صالحنا، فالدهر دوار، والأيام دول، وكما قيل:
وهذه الدار لا تبقي على أحد             ولا يدوم على حال لها شأن
وقد سئل بعض الخلفاء عن أجمل اللذات؟ فقال: أن تعيش حتى ترى مصارع من ناؤوك وآذوك.
والعاقل الحصيف لا يشمت، ولا يتمنى الشر للناس، ولا يدعو عليهم، بل غاية ما يحاوله تجنب شرهم، ودفع مكايدهم، والسلامة منهم ، وربما ارتقى بذوقه وخلقه فدعا لهم، وتلمس المعاذير، وبالغ في الإنصاف، ولن يعجز عن عذر تقبله النفس لا على سبيل الإغماض، بل إدراكاً لأحوال الناس واختلاف مفاهيمهم ونظراتهم وطبائعهم ونفسياتهم.
إن هذه المعوقات هي محفزات يضعها الله في طريقنا لتحركنا نحو الغاية ، وتجدد العزائم في النفوس، ولتوحد شتيت الهمة، وتقوي ضعيف الدافع.