الصوم لي

أخي الصائم الحبيب! قد مضى من العمر ما مضى، وكأن الواحد منا أعطي صكاً بالخلود.
نخطو وما خطونا إلا إلى الأجل                        وننقضي وكأن العمر لم يطل
والعيش يؤذننا بالموت أوله             ونحن نرغب في الأيام والدول
سلا عن العيش أنا لا ندوم له            وهون الموت ما نلقى من العلل
ونستلذ الأماني وهي مردية            كشارب السم ممزوجاً مع العسل
إن الصوم عبادة شريفة، ويكفيه شرفاً أن الصوم لم يعبد به غير الله ، ففي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يقول الله عز وجل: الصوم لي وأنا أجزي به ). وقد أفاد جمع من العلماء، كـابن حجر وغيره، أن سبب الإضافة إلى الله: أن الصيام لم يعبد به غير الله بخلاف الصلاة والصدقة والطواف ونحو ذلك. والصوم له ظاهر وباطن، فظاهر الصوم كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة، وباطن الصوم الكف عما سوى الله ؛ فيحفظ الصائم الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، ويذكر الموت والبلى، ويريد الآخرة فيترك زينة الدنيا، فهذا عيد فطره يوم لقاء ربه وفرحه برؤيته.
أهل الخصوص من الصوام صومهم             صون اللسان عن البهتان والكذب
والصالحون وأهل الصدق صومهم             صون القلوب عن الأغيار والحجب
والصوم مدرسة ربانية، ومحضن إيماني، يتلقى فيه الصائم دروس الأخلاق، ويتربى على جميل الطباع، وما أطيب أن يتعاقد الصائم مع نفسه منذ أول الشهر على أن يعنى بواحد من الأخلاق الرفيعة -على أقل تقدير- فيتعاهد نفسه ويراقبها ويحاسبها ويعاتبها حتى تلين وتنقاد، ومن ذلك:
1- غض البصر عن محارم الله، قال تعالى: (( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ))[النور:30]، (( وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ))[النور:31].
وعن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اضمنوا لي ستاً من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم ).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لـعلي رضي الله عنه: ( يا علي! لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة ).
وفي صحيح مسلم عن جرير بن عبد الله قال: ( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجاءة، فأمرني أن أصرف بصري ).
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: [ حفظ البصر أشد من حفظ اللسان ]. وقال أيضاً: [ الإثم حواز القلوب، وما من نظرة إلا وللشيطان فيها مطمع ].
و ما أكثر المناظر التي أصبح من المحتم فطام النظر عنها ، فالقنوات الفضائية التي يتفنن القائمون عليها باختيار الوجوه الحسان، والقامات الرشيقة، والأصوات الناعمة، والمواقع الإلكترونية المختلفة والتي يصل بعضها إلى حد الإباحية، ونشر الرذيلة والعري، والمتاجرة بالأجساد، والصور التي تقابل المرء حتى في إعلانات الشوارع في بلاد الإسلام، أو في الصحف والمجلات والأسواق التي تكتظ بالنساء، وفيهن المحجبة العفيفة المصونة، والمتبرجة المتطلعة الفاتنة المفتونة، حتى أصبحت مجاهدة النفس على غض البصر من أهم المهمات، وصار الفشل فيها لدى الشباب ذريعة إلى الوقوع في الفحشاء، والانقطاع عن عمل الخير، وضعف تأثير العبادة كالصوم والصلاة.
ولغض البصر عما حرم الله فوائد، منها:
أنه امتثال لأمر الله الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده.
وهو يمنع وصول أثر السهم المسموم الذي ربما هلاك قلبه فيه:
كل الحوادث مبداها من النظر             ومعظم النار من مستصغر الشرر
كم نظرة فتكت في قلب صاحبها             فتك السهام بلا قوس ولا وتر
والمرء ما دام ذا عين يقلبها             في أعين الغيد موقوف على الخطر
يسر مقلته ما ضر مهجته             لا مرحباً بسرور جاء بالضرر
و الغض يورث القلب أنساً بالله، واسترواحاً لذكره، ويقوي القلب ويفرحه، كما أن النظر إلى المحرمات يضعف القلب ويحزنه .
و غض البصر يكسب القلب نوراً، كما إن إطلاقه يورثه ظلمة، والقلب المشرق كالمرآة المصقولة، تنكشف عليها الحقائق وتنعكس عليها الصور الصادقة .
وهو يورث الفراسة الصادقة التي يميز بها بين المحق والمبطل، والصادق والكاذب، ولذا كان المؤمن يرى بنور الله.
ويورث القلب شجاعة وقوة، ويجمع الله له بين سلطان البصيرة والحجة وسلطان القدرة والقوة، ومثله يصرع شياطين الإنس والجن، فلا يقاربونه ولا يدانونه.
ويسد على الشيطان مدخله إلى القلب، فإنه يسرع إلى القلب مع النظرة أسرع من الهواء إلى المكان الخالي.
ويفرغ القلب إلى مصالحه والاشتغال بها، فيقبل على صلاته بخشوع، أو يقبل على دراسته أو عمله أو وظيفته برغبة واهتمام وانصراف تام.
وإذا فسد النظر فسد القلب، وإذا فسد القلب فسد النظر، فإن بينهما منفذاً يشغل أحدهما بما يشغل به الآخر.
2- ومنها حفظ اللسان.
و حق على كل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام، إلا كلاماً تظهر المصلحة فيه ، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة، فالسنة الإمساك عنه؛ لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه بل هذا كثير أو غالب في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء .
وعن ثوبان رضي الله عنه قال: ( لما نزلت (( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ))[التوبة:34] قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فقال بعض أصحابه: أنزل في الذهب والفضة ما أنزل. لو علمنا أي المال خير فنتخذه؟ فقال: أفضله لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه ).
وفي المتفق عليه: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ).
وفيهما: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ).
وفيهما: عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها، يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق ).
وفي الترمذي : ( أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك ).
وفيه: ( ثكلتك أمك يا معاذ ! وهل يكب الناس على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم ).
وعن ابن مسعود قال: [ ما من شيء أحق بالسجن من اللسان ].
ويروى: أن قس بن ساعدة و أكثم بن صيفي اجتمعا، فقال أحدهما لصاحبه: كم وجدت في ابن آدم من العيوب؟ فقال: هي أكثر من أن تحصى، والذي أحصيته ثمانية آلاف عيب، ووجدت خصلة إن استعملتها سترت العيوب كلها. قال: ما هي؟ قال: حفظ اللسان.
  1. من آفات اللسان