الرئيسة المقالات1428 هـالتعايش الحضاري 2-2

التعايش الحضاري 2-2

إن من الملاحظ أن التعايش غدا بعيداً عن واقع بعض القطاعات الإسلامية، ليس مع الديانات الأخرى، بل مع أبناء الملة الواحدة، بين المذاهب الفقهية، والجماعات الإسلامية، والدول، بل بين القبائل العربية أحياناً، في حالة من العنف والعدوانية يطير معها شاهد اللب ويغيب، وهو يتساءل: من أين جاءنا هذا المأزق؟!
إلام الخلف بينكم إلاما            وهذي الضجة الكبرى علاما
وفيم يكيد بعضكم لبعض            وتبدون العداوة والخصاما
الكثير يظنون أن طرح موضوع التعايش لا يكون إلا في حالات الضعف والتمزق والتشرذم فقط، والشواهد تنادي على أن التعايش يكون أرسخ أسساً وأعمق جذوراً في زمن القوة والقدرة، فالقادر على صناعة التعايش والسلم هو القادر على صناعة حرب وقتال، ومن لا يصنع حرباً لا يصنع سلاماً، بينما يعاني مفهوم التعايش من الانهيار والانتهاك في أزمنة الضعف والشتات.
إن القوة في تحمل الناس بآرائهم وخلافاتهم، والسيطرة على دوافع النفس وشهواتها ونزغاتها، وكبح جماحها، وليس في فرض الرأي بالقوة، يقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: ( ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ).
و عندما فتح أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه القدس امتنع أن يصلي داخل الكنيسة وهو القوي المنتصر، وقال وهو المحدث الملهم: [أخشى أن يتخذها المسلمون بعدي سنةً، فيصلون فيها، فيضايقون أهلها، ويقولون: هنا صلى عمر ]، فصلى عمر رضي الله عنه خارجها، وأعطى المسيحيين الأمان على حياتهم، وحقن دماءهم.
وفي حين قتل الزعيم النصراني ريتشارد أكثر من ألفين وسبعمائة أسير مسلم في لحظة واحدة وصلبهم خارج أسوار مدينة عكا لتأخر ما اتفق عليه مع المسلمين، يقوم صلاح الدين الأيوبي رحمه الله بحقن دماء أهل القدس جميعاً مسيحيين ويهود ، وهو القادر على النكاية، عاقداً صلحه الشهير باسم: صلح الرملة في 22/من شعبان/ 588ه‍، 2/من سبتمبر/ 1192م، في أعظم صور التعايش في زمنه.
إن التاريخ الإسلامي هو تاريخ القوة والانتصار، وهو نفسه تاريخ التعايش وضبط العهد والميثاق، يقول الله سبحانه وتعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ))[المائدة:1].
يقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في تفسيره عند هذه الآية: هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان بالوفاء بالعقود، أي: بإكمالها، وإتمامها، وعدم نقصها.
وقال: وهذا شامل للعقود التي بين العبد وربه من التزام عبوديته، والقيام بها أتم قيام، وعدم الإنقاص من حقوقها شيئاً، والتي بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم بطاعته واتباعه، والتي بينه وبين الوالدين والأقارب، ببرهم ووصلهم، وعدم قطيعتهم، والتي بينه وبين أصحابه المتقين، من القيام بحقوق الصحبة في الغنى والفقر، واليسر والعسر، والتي بينه وبين الخلق.
وقال سبحانه وتعالى: (( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ))[الإسراء:34]، وفي الصحيح: ( من قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاماً )، بل في البخاري و مسلم: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام. فقيل له: إنها جنازة يهودي! فقال: أليست نفساً ).
وهذا ابن تيمية رحمه الله يخاطب سرجوان ملك قبرص في رسالته المشهورة بقول: بلغني ما عند الملك من الديانة والفضل ومحبة العلم وطلب المذاكرة، ورأيت الشيخ أبا العباس المقدسي شاكراً من الملك: من رفقه ولطفه وإقباله عليه، وشاكراً من القسيسين ونحوهم، ونحن قوم نحب الخير لكل أحد، ونحب أن يجمع الله لكم خير الدنيا والآخرة.
ولم يرض ابن تيمية بفكاك أسرى المسلمين وحدهم، بل طالب التتار بفكاك أسرى اليهود و النصارى قائلاً: بل جميع من معك من اليهود و النصارى الذين هم أهل ذمتنا; فإنا نفتكهم ولا ندع أسيراً لا من أهل الملة، ولا من أهل الذمة.. وكذلك السبي الذي بأيدينا من النصارى يعلم كل أحد إحساننا ورحمتنا بهم؛ كما أوصانا خاتم المرسلين.
إن الهزيمة النفسية أحياناً تجعل بعض الناس يشعرون أن هذا اللون من الحديث يفضي إلى تبرير الانهزام والرضا به، والبعض الآخر يطرحون صورة مثالية لا واقع لها عن التعايش، وتحرير مدلول التعايش وفهمه كاف في رفع الالتباس.
إن نجاح التعايش مرهون بصوت العقلاء الذين يقدمون لغة الحوار الهادئ الهادف الذي يحقق المنشود، ويصل لهدفه بيسر وسهولة، كما أن إخفاقه مرهون بصوت الحمقى الذين لا يعرفون إلا مصالحهم فقط، حين يعتمدون لغة القوة والعنف بشكل كبير في إداراتهم ومطابخ قراراتهم ، ومن هنا شن صناع الحروب وعرابوها حرباً، ليس على العالم العربي والإسلامي فقط، بل على كل من ليس معهم أو مع إدارتهم؛ مما قطع كل طريق أمام الاعتدال والفهم الإنساني المشترك والمصالح الاقتصادية والأخلاقية الإنسانية، والتي هي محل اتفاق عند العقلاء جميعاً، لكن القادة العسكريين لا يفكرون إلا بطريقة عسكرية، مما جعل الحوار يصل إلى طريق مغلق مسدود.
إن الدين لم ينزل -كما يظنه البعض- لتأجيج الصراع بين الناس، بل لضبط العلاقة وتنظيمها وعمارة الأرض، يقول الله جل وعلا: (( هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ))[هود:61]، ولهذا لما خلق الله آدم ؛ خلقه من أجل عمارة الأرض، والسعي فيها، والضرب فيها؛ قالت الملائكة لربها تبارك وتعالى: (( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ))[البقرة:30]، فعلموا أن الفساد في الأرض وسفك الدماء مما يكرهه الله عز وجل، فندرك من هذا أن الله لم يخلق البشر ولم ينزل الكتب لأجل أن يحتربوا ويتنازعوا .
إن مما يلزم مراعاته فقه تحقيق المصلحة ودرء المفسدة، ذلك أن مصلحة التعايش ظاهرة وميسرة، ونفعها جلي .
وفي السيرة والفقه أبواب كثيرة، كلها ينبغي استعمالها وتوظيفها حال احتياجها.
فهناك: أبواب للهدنة، وأبواب للصلح، وأبواب للموادعة، وأبواب للعهد، وأبواب لغير ذلك مما ينبغي على الإنسان أن يتأمل ما يكون مناسباً منه للحال والمقام.
إن الناس جميعاً يحتاجون في كثير من الأحيان إلى أن يتعايشوا فيما بينهم بهدوء وموادعة ومتاركة، بعيداً عن إدارة الحرب والصراع، والانشغال عن الأولويات بما هو دونها.
إن استمالة القلوب، واستقطاب العقول للتعرف على هذا الدين والدخول فيه لا يمكن من دون استعمال الصبر، والرفق واللين والمداراة، واحتمال الأذى، ومقابلة الإساءة بالإحسان، كما أمر الله تبارك وتعالى في ذلك في غير ما موضع من كتابه، يقول سبحانه: (( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ))[فصلت:34]، وبهذا استمال النبي صلى الله عليه وسلم قلوب أعدائه، وعالج قسوتها وشماسها ونفارها، حتى لانت واستقادت وقبلت الحق.
إن الكلمة الطيبة الحانية، والابتسامة الصادقة الصافية، والإحسان إلى الآخرين بالقول والفعل من أسباب زوال العداوة وتقارب القلوب، يقول الله تبارك وتعالى: (( وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ))[فصلت:35].
إن التعايش هو حقن الدماء البريئة، وفتح مجال للحوار والجدال بالتي هي أحسن، وهو تقديم مشروع يحمي الكلمة الإسلامية، ويزودها بالعقل والحجة والمنطق التي يمتلئ بها كتاب الله وشرعه، يقول الله سبحانه وتعالى: (( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ))[آل عمران:64].