التطرّف

تداول المصطلحات الحادة ينبئ عن ميل إلى التصنيف الإقصائي، وإذا تحدث العالم أو الفقيه أو الحكيم كان حرياً أن يتجاوزها، إلا إذا اقتضتها ضرورة أكاديمية.
والتطرف يعني المثول في طرف، يعني: مجانبة الاعتدال والوسطية.
وهذا يكون تطرفًا في الشخصية؛ إذ يكون في المزاج النفسي لبعض الناس ميل إلى المواقف الحدية حتى في حياته الأسرية أو الوظيفية أو غيرها، ويكون تطرفًا في الفكر باعتماد النسخة المتشددة، من أي فكرة ينتمي إليها الإنسان، وهو قد يكون تطرفاً ذات اليمين، أو ذات الشمال.
عليك بأوساط الأمور فإنها خيار، ولا تركب ذلولاً ولا صعباً، وقال علي رضي الله عنه: [ خير الأمور النمط الأوسط، إليه يرجع الغالي، وبه يلحق التالي ].
وحين نحكم بالتطرف على شخص أو موقف؛ فهنا يعني الأمر أن المحكوم عليه ينتمي وينسب للأصل العام، ولكنه لا يعتدل فيه.
وهذا يمنح معنى إيجابيًا تجب ملاحظته، وهو أن المتطرف حين يكون مسيحيًا مثلاً؛ فهو يعني الإقرار له بصحة الانتماء لمسيحيته، مع الحكم بأنه أخذها بغير توازن.
وحين نحكم على مسلم بهذا الحكم؛ فهو يعني الإقرار له بصفة الإسلام أولاً، ثم الحكم عليه ثانيًا بأنه غال غير معتدل.
كان أعنف تطرف في التاريخ تطرف الخوارج، ومع هذا لم يكفرهم الصحابة رضي الله عنهم، وكان أكثر العلماء على عدم التكفير، وسيرة علي ومن معه في شأنهم ظاهرة معلومة، وهي أنه كان يعاملهم معاملة المسلمين، مع غلوهم، وعدوانهم، حتى قال: [ إن لكم علينا ألا نقاتلكم ولا نمنعكم فيئكم، ما لم تخيفوا السبيل أو تستحلوا الدم الحرام ] إلى آخره.
مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية )، رواه البخاري وغيره.
ولو تسرع أحد وأخذ بهذا الظاهر لكفرهم، ولكن حكمة الله تعالى واضحة هنا؛ إذ إن سر تطرف الخوارج هو تسرعهم في الأخذ بمثل هذا الظاهر، ومن هنا حكموا على غيرهم بالكفر واستحلوا الدماء، وهتكوا حرمتها، وقد يقع نوع من الغلو أو التشدد عند بعض المسلمين كما وقع للخوارج، وجماعة التكفير والهجرة التي كانت تسمي نفسها جماعة المسلمين تسير على خطا الخوارج شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، وهذا سببه الجهل والكبر وازدراء الناس، ولهذا يقول زعيمهم شكري مصطفى:
من قبل الطوفان اسمعني يا عبد الله
واخرج من أرضك واتبعني في أرض فلاة
أرض في قلبي لم يعبد فيها الشيطان
أرض في فكري أحمله في كل مكان
فاحمل أزوادك واتبعني يا عبد الله
يكفينا زادًا في الدنيا هذا القرآن
في أرض الهجرة يا صحبي طهر وسلام
وفرار من سخف الدنيا ومن الآثام
وحكومة عدل وأمان
صدقني.. في الأرض الواسعة أمان

فهو هنا يقدم نفسه على أنه النموذج الذي يتبعه الآخرون، وهو القلب الطهور، والفكر الصادق المعبر عن رسالة الله، أما الدنيا فهي سخف وآثام، وإذا أطاعه الناس قامت حكومة العدل والأمان.
بيد أن الباب ليس كله واحدًا، فـ هناك من لا يقول بمبدأ الخوارج في التكفير بالمعصية، ولكن يتحايل على التكفير من باب الحاكمية والتشريع، فيكفر الناس كلهم أو جلهم لرضاهم بالحكم الوضعي، أو يقول بالتوقف، فلا يحكم لهم بإسلام ولا كفر .
وربما وجد من لا يحكم بالتكفير العام، ولكنه سريع الخطو إلى تكفير الآحاد بغير تبصر ولا أناة، وكلما سمع قولاً أو ترامى لأذنه موقف غير مستوعب لديه قفز إليه سؤال: ألا يعد هذا كفرًا؟؟
ولقد جادلني أحدهم في أول المجلس بشأن تكفير عدد من الكتاب وانتهى بتكفير المفتين ورجال القضاء.
ومثل هذا لا يعالج برد الكرة إلى المرمى، وقذفهم بمثل ما يعاب عليهم، بل بالعدل والإنصاف معهم، وألا يُقولوا ما لم يقولوا، فيعتني بضبط الحكم، ومن الخطأ أن تجور عليه لأنه جار عليك أو على غيرك (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ ))[النساء:135].
وفي الموضع الثاني: (( كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ))[المائدة:8].
وفي الحديث: ( أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك ).
فالعدل -كما يقول ابن تيمية- واجب لكل أحد، ومن كل أحد، وفي كل حال.
فليس ثمة حالة مشروعة نستقيل فيها من العدل، ونستجيب فيها لنزعات الغضب؛ فنقع في المشكلة نفسها التي نعيبها على الآخر.
إذا كان عيبهم عندي هو التسرع في التكفير مثالاً؛ فمن العدل ألا أتسرع في تكفيرهم ولا تكفير غيرهم، بل أعطي المثل والقدوة في التأني والروية، واستصحاب الأصل الذي عليه الناس، وعدم التقحم في الهلكات.
ولست أرى وجهًا للإطلاقات التي توهم التكفير من جنس أن يقال: فلان ليس له في الإسلام نصيب، أو الدين بريء منه، أو هو لا يعرف الإسلام، حتى لو كان القائل متأولاً لا يقصد التكفير؛ لأن ضرورة المعالجة تقتضي عدم استعمال اللفظ الموهم الذي يحتمل أن يكون قائله أراد الحكم بالتكفير، وفي أوقات النزاع والتصارع تتعاظم الحاجة إلى إحكام العبارات وضبطها.
وهذه الألفاظ تجري على ألسنة الإعلاميين أو السياسيين أو بعض طلبة العلم بدافع الغضب والاستنكار لموقف فكري منحرف أو ممارسة ميدانية مرفوضة.
وإنما تبين قدرة الإنسان على التحكم في نفسه والتزام القيم التي يدعو إليها عند الانفعال والغضب والاختلاف، وتكون المعالجة أيضًا بإشاعة معاني الاعتدال والهدوء في دوائر المجتمع الأسرية والإعلامية والتعليمية والسياسية، والذين يسعون إلى توتير الأجواء في المجتمعات الإسلامية هم يعملون على صناعة مناخ يؤهل للتطرف؛ لأن المرء المأزوم بمعاناة واقعية يصعب عليه أن يكون معتدلاً، وحتى لو كان مقتنعًا بضرورة الاعتدال؛ فإن معاناته وآلامه الشخصية أو العامة تؤثر على فكره وتصوره، وتجعله يفهم الاعتدال بطريقة مختلفة.
ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على التأمين والسلام ) ، وهنا سر عجيب جدًا:
فالتأمين يعني قول: (آمين) بعد الفاتحة، حيث الدعاء بالوسطية بين الإفراط والتفريط (( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ))[الفاتحة:6-7]، فالمغضوب عليهم أهل تفريط وضياع، والضالون أهل تشدد وإفراط واعتساف، والطريق المستقيم بينهما.
فهم يحسدوننا -إذًا- على الاعتدال، هذا معنى.
والمعنى الثاني: أنهم يحسدوننا على السلام، والسلام التحية، لكن ليس حسدهم على اللفظ المجرد فحسب، بل على إشاعة معنى السلام والاستقرار النفسي والاجتماعي في المجتمع، وهم يسعون في الأرض فسادًا، ويعملون على زعزعة الأمن والاستقرار حيثما قدروا.
ولست أريد أن أقول هنا: إنهم هم المسئولون بالضرورة عن أي فوضى تقع في مجتمع مسلم، بل قد يكون لهم يد ظاهرة أو خفية، وأفراد المجتمع وتشكيلاته الفكرية أو المذهبية أو القبلية هي الفاعل الأول.
إن نشر السلام بمعناه اللفظي، وممارسته سلوكًا بيننا داخل الأسرة الصغيرة: البيت، أو الوسطى: المؤسسة، أو الكبرى: الدولة؛ هو أفضل ما يمكن أن نعمله لإيجاد المحضن الفطري للاعتدال، وإقصاء مفاهيم التطرف وممارساته.
والله أعلم.