الرئيسة المقالات1428 هـالإصلاح.. إرادة

الإصلاح.. إرادة

الإصلاح هو مهمة الأنبياء، كما قال خطيبهم شعيب عليه السلام: ((إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ))[هود:88].
إنه القيام بشئون الناس في معاشهم ومعادهم، وحفظ حقوقهم، فهو قبل كل شيء إرادة قوية وعزم صارم، وليس شعاراً أو ادعاء، بل نوع من التصحيح الشامل ومنهج جاد للتغيير نحو الأفضل، وبرامج واضحة للبناء والعمل، كما يقول شعيب عليه السلام: (( إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ ))[هود:88]، وحينما يعبر عن هذه الإرادة لا يفرض رأياً خاصاً، ولا يحاكم الناس لجزئيات صغيرة، بل يطرح عليهم بكل وضوح حسب استطاعته (( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ))[الغاشية:21-22].
فـ الإصلاح ليس تكريساً لمنهج طائفة معينة، وعزلاً أو إقصاءً لمنهج طائفة أخرى، وليس تقريباً لخيار فئة من الناس، وإبعاداً لخيار فئة أخرى، بل عرض وتبيين، وإرادة للخير يقتنع به الناس، ويشعرون حياله بالثقة والأمن، وحفظ حقوقهم ودينهم وممتلكاتهم، فالعمل الإصلاحي يجب أن يقصد به كل ما فيه مصلحة المواطن والوطن والناس جميعاً .
إن الأوضاع التي تفتقد الاستقرار قد تؤثر على حقيقة الإصلاح ومعناه، كالأوضاع التي يشهدها العالم الإسلامي اليوم، مما تشيع نوعاً من التحفز، فالبلد الواحد تدافع فيه كل فئة أو طائفة أو عرق عن مصالحها، وتستشعر بأنها مهددة، وتسعى إلى أن تعوض ما تراه من ظلم لها وهضم لحقوقها وإهدار لاحتياجاتها، فترتفع وتيرة المطالب، وتزداد الخطورة، ويتحول ذلك إلى عملية عكسية، فبدلاً من أن يكون تغييراً إيجابياً للأوضاع القائمة، ومساعدتها على الاستقرار والأمن والتعايش والتصالح؛ يصبح ذلك الشعور القاهر سبباً للسعي إلى تحجيم الفئات الأخرى، وازدرائها، وتبخيسها، والاصطراع معها، وربما القضاء على البقية الباقية من الروابط التي تجمع بين هؤلاء الناس تحت سقف واحد تجاه قضاياهم وحقوقهم جميعاً، ومصير أمنهم واستقرارهم، فالجهد الإصلاحي هو في أن نرفع رايةً واضحة للتعاون والعمل والتصحيح الجاد الذي يستهدف المجموع كله دون أية استثناءات.
وجوانب الإصلاح والتغيير في العالم الإسلامي يجب أن تكون واسعة بسعة البلاء الذي يحل بها، فمع أن عناصر الثراء والغنى والأهمية موجودة في العالم الإسلامي، إلا أنك تجدها أقل تفعيلاً واستغلالاً في وجوه التعمير والتنمية والبناء والإنتاج التي تحفظ تلك القوة الاقتصادية على المدى البعيد، ومع أن النفط -مثلاً- ثروة إسلامية كبيرة إلا أنك تجد أن تقنيات استخراجه وصناعته آليات غربية، ولا يزال العرب والمسلمون إلى اليوم بعيدين عن اكتشافها وتطويرها.
وكذلك الزراعة -وهي أحد أهم مصادر الدخل في العالم الإسلامي- تجد أن معظم تقنياتها مستوردة، أما النمو الاقتصادي في العالم الإسلامي بالعموم الذي يزخر بثروات ضخمة جداً فإنه لا يتجاوز (2%)، ولا يزال دخل الفرد في العالم الإسلامي يتراجع بالنظر إلى زيادة عدد السكان، و ربما في العالم العربي أكثر من (70) مليون إنسان تحت خط الفقر، وفي العالم الإسلامي كله رقم أكثر بكثير، ونسبة البطالة في العالم العربي كله حوالي (20%)، والكثير من الشباب والفتيات يواجهون مشكلة كبيرة لقلة فرص العمل وضآلة المساعدات .
أما التراجع السياسي فذلك أمر مشهود، ولا يمكن نسيان دوره في بذر الشقاق والاقتتال الطائفي، والحروب الأهلية الفتية التي يسمعها العالم كله، ويعرفها ويدرك أنها الأكثر حضوراً في البلدان العربية الإسلامية.. ويا لخيبة الأمل!
و المشكلة الأساسية التي تحتاج للإصلاح هي في أنماط التفكير والنظر التي تحكم كل تلك المجالات، فتشيع فيها أسلوبها البعيد عن القيم الإسلامية والحضارية والإنسانية .
و في معالجتنا لقضايانا ما زلنا ننتظر البطل المنقذ الذي يحيل طمي الفقر وأوحال التخلف عسجداً وذهباً، وحتى في قراءتنا للتاريخ نقرؤه مشددين على عنصر البطل الوحيد الذي يفعل الأفاعيل، دونما إدراك إلى أنها قضية جيل واع وتربية رشيدة قويمة ومجتمع عاقل يلد هذه الرموز لتصبح نتيجة طبيعية لذلك، وليست مثلاً شاذاً وفرداً واحداً يقلب كل شيء .
إن هذا الكون وهذه الحياة تسير ضمن سنن إلهية وقواعد ثابتة للتقدم والتأخر، والقوة والضعف، والازدهار والانحسار؛ فالأنظمة التي تحكم البشرية تسير ضمن سنن إلهية في القديم والحديث على حد سواء، والإنسان العاقل لا يركن إلى واقع معين ويستسلم له مهما كانت الضمانات، فالإصلاح ليس مهمة مؤقتة أو طارئة أو مقيدة، بل هو مشروع سرمدي قائم، وعملية قوية دائمة، وما دامت هناك أمة ترغب في البقاء فعليها أن تكون منهمكة في عمل إصلاحي مستمر، والمسلمون ليسوا استثناءً من أي قاموس كوني إلهي: (( لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ))[النساء:123-124].
إن المملكة العربية السعودية -على سبيل المثال- يمثل الشباب فيها (65%)، ما يعني أكثر نسبة للنمو، وهذه النسبة تعني أن المستقبل يجب أن يكون أقوى وأكثر اهتماماً ورعايةً وإرادة لإيجاد فرص العمل، ووسائل التعليم والمسكن والترفيه البريء إلى غير ذلك.
وبالجملة فإن هناك قدراً مشتركاً من المطالب الواقعية الموضوعية، بين كثير من المنادين بالإصلاح، ومن البرامج والعرائض والمشاريع والأحاديث العامة والخاصة، بينها كلها قضايا مشتركة يمكن الانطلاق منها، مثل: الحفاظ على المال العام وحفظه في الأمة، وتعزيز آليات الإشراف على هذا المال، وشفافيتها وضبطها، ومحاسبة كل أحد يتعلق عمله بحفظ المال العام، وضبط سيره في قنواته الصحيحة، خصوصاً مع ازدياد الثروة النفطية، ومع هذه الموازنة الجديدة القوية للدولة في هذه السنة.
ومن هذه المطالب أيضاً: تحقيق الرفاه للناس فيما يستحقون من أمور الحياة العامة، كالمساواة أمام فرص الوظيفة، واحترام حقوق الناس جميعاً من أجل بناء ولاء حقيقي للوطن، يؤديه الناس عن حب وأمانة، وهناك في التراث الإسلامي وفي القضايا الإنسانية المشتركة بيانات يمكن أن تصبح مواثيق ثابتة لحقوق الإنسان وحقوق العربي المسلم.
ومنها: إصلاح التعليم من خلال بناء التربية مع المعرفة، وتفعيل قضايا الحوار، بحيث يهيئ الإنسان للوعي والفهم، ولا بد من الاهتمام بالمهارات والخبرات التي تؤهل الإنسان ليخوض غمار الحياة بشكل يتبادل فيه الفائدة وينتجها.
ومنها: ضرورة الحديث عن مشاركة سياسية جادة، كالمشاركة في القرارات والقضايا والمسائل الحساسة، وتفعيل الطاقات الكامنة؛ لمنع أي استغلال لها من قبل المتربصين والشانئين.
ومنها: طرح قضية المشاركة المؤسسية، بمعنى أن تنظم الدولة عمل الناس، وتسمح لهم بأن يقيموا المؤسسات الأهلية التي تزيد الدولة قوة، وتربيهم على العمل الإنتاجي، وأن يتحملوا جزءاً من المسئولية عنها في بعض القضايا.
وأخيراً: إننا بحاجة إلى إرادة حاضرة للإصلاح في العالم الإسلامي، إرادة صادقة عند الكبار والصغار؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعل التوفيق في الإرادة الحقيقية الصادقة للإصلاح، فيجب علينا أن نضع هذه الإرادة بكل قوة وعزيمة.. يقول الله تعالى: (( إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ))[النساء:35] .